فخر الدين الرازي
27
النبوات وما يتعلق بها
المبحث الثالث في نسخ الشّرائع القرآن ناسخ للتوراة : أولا : نقول : ان القول بنسخ الشرائع السماوية ، قول نريد به : أن الاسلام هو الدين الناسخ لما سبق من الأديان ، ومن لا يؤمن به يعد من الكافرين في الدنيا ، ومن الخاسرين في الآخرة . ثانيا : نقول : ان « القرآن الكريم » لم ينسخ « الإنجيل » النازل على المسيح عيسى بن مريم من السماء ، وانما نسخ « التوراة » الكتاب السماوي الّذي نزل على موسى بن عمران في « طور سيناء » ولقد شاع في العالم : ان الأديان السماوية ثلاثة أديان : اليهودية والنصرانية والاسلام . والإشاعة هذه باطلة من الناحية الدينية . فان الأديان السماوية هي دينان اثنان ، لا ثلاثة أديان الدين الأول : هو ما جاءت به التوراة . والدين الثاني : هو ما جاء به القرآن الكريم . والنصرانية ليست دينا ثالثا ، لأن المسيح - عليه السلام - نبي النصارى صرح بوضوح تام أن شريعته هي الأحكام التي جاءت بها التوراة ، وأنه لا ينسخ من أحكام التوراة حكما ، ولا يضيف على أحكامها حكما . والنصرانية التي يدين بها النصارى الآن من وضع القسيسين والرهبان . وعلى ذلك يكون القول بالنسخ في الشرائع الثلاث باطل عند الراسخين في العلم ، لأن النسخ واقع بين اليهودية والاسلام ، ويكون صحيحا بحسب المشهور بين العوام في أنحاء الأرض ، فان العوام والسذج يعتقدون أن النصرانية ديانة مستقلة عن الديانة اليهودية التي جاء بها موسى . ففي تفسير « الكشاف » في سورة المائدة : « وقيل إن عيسى - عليه السلام - كان متعبدا بما في التوراة من الأحكام : لأن الإنجيل مواعظ وزواجر ، والأحكام فيه قليلة وظاهر قوله « وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل اللّه فيه » يرد ذلك ، وكذلك قوله : « لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً » وان ساغ لقائل